Wednesday, September 24, 2008

إنكار


سألتها صديقتُها؛ هل لا تزالين تذكرينه؟
أجابت فى فورِها لا.
سألتها وقد إرتسمت على شفتيها إبتسامةٌ خبيثة؛
وما أدراكِ أنى أسألُ عنه؟!
قالت بإقتضاب؛ من هو؟
أجابت ساخرةً: من لا تذكرينه.
حافظت على إقتضابها وقالت؛ لا أتذكر أحداً.
.......................................................
غادرت صديقتها
غيرت كلمة مرور بريدها الإلكترونى
من إسمهِ .. إلى رقمِ جوالِه القديم!!
.......................................................
دَيْنٌ على عَبرَاتي أن تقرَ بهِ ... وإنما غايةُ الإنكارِ إقرارُ
(ابن القيسراني)
....................................................... .

عمرو عشماوى 24-09-2008

Tuesday, August 26, 2008

للأوهام حجتها كذلك


أشارت عقارب الساعة فى يده إلى تمام الثانية بعد منتصف الليل حين أوقف سيارته فى إحدى شوارع القاهرة القديمة. نزل من السيارة؛ رجلٌ فى منتصف الثلاثينات يرتدى بنطلون جينز وسترة جلدية سوداء يحتمى بها من برد هذه الليلة الشتوية الكأيبة.
....................................
رغم إكتمال البدر فى السماء، كان بالكاد يرى موضع قدميه وهو يتقدم بحرص نحو أحد أكثر أضرحة القاهرة القديمة شهرة، مَثَلَ أمام الضريح، وبحركة آلية مدَ يده فى جيب سترته وأخرج شمعةً ثبتها فى أحد الثقوب فى نافذة الضريح، ثم أخرج علبة الثقاب من جيب السترة الآخر، التقط عودا وأشعله، لم يلبث عود الثقاب إلا أن إنطفئ قبل أن يصل إلى الشمعة، ساعتها تنبه أن يده ترتعش بشدة، ظن لوهلة أن إنطِفاء عود الثقاب ما هو إلا إشارة من الله بخطأ ما هو مُقدم عليه، فلم يكن يظن أبدا أنه من الممكن أن يأتى يوماًَ ويقف فيه متوسلا بشمعة عند ضريح رجلٍ غادر الحياة من مئات السنين، وهو الذى أشتهر برجاحة عقله ومنطقية تفكيره، بل كم كان يسخر ممن يقفون فى مثل موقفه ويتهمهم بفساد العقل وأنهم يسعون وراء أوهام ما أنزل الله بها من سلطان.
....................................
أوهام .. نعم هى أوهام لكن؛ قد حار العلم فى مرضه، لقد خرج منذ ساعات من عيادة أحد أشهر الأطباء بجواب لم يزد شيئا عن جواب أصغرهم؛ "مرض نادر لا يوجد له علاج". طول حياته التى أصبحت مهددة بمرضه الغريب وهو يتبع عقله؛ يجتهد فى عمله ساعيا للثراء، يتأنى فى إختيار زوجته ساعيا لحياة زوجية سعيدة، يؤجل الإنجاب ليضمن لأطفاله حياة كريمة، كل هذا ولم يحقق مبتغاه وكأنه سعى طوال حياته وراء وهمٍ تخفى فى صورة عقل، فلماذا لا يجرب الأوهام هذه المرة!
....................................
هدأ قليلا وكفت يداه عن الإرتعاش، أشعل عود ثقاب آخر وقرّبه بحرص حتى أشعل شمعته التى ضاهت كذبا البدر فى السماء حين أضاءت الضريح. تقهقر عدة خطوات مبتعدا عن الضريح دون أن يدير وجههه عنه وهو يراقب شمعته التى أخذ الهواء يعبث بضوئها؛ فيخفت للحظات ثم يعود ليضئ مجددا تماما كالإيمان فى قلبه، أدار وجهه عن الضريح تاركا شمعته تبث شكواه عند من لا جواب عنده، واتجه إلى سيارته يجول فى ذهنه بيت حمزة شحاته:
للعقل حجته ... وللأوهام حجتها كذلك
....................................
....................................
عمرو عشماوى 26-8-2008

Tuesday, July 8, 2008

حسد

طفلٌ ذكى
حَسَدَهُ مُعَلِمُه
لَقِىَ حتفَه
.......................
طالبٌ مجتهد
حَسَدَهُ صديقُه
مَرِضَ وفاتَهُ الإمتحان
.......................
زوجةٌ طَيبة
حَسَدَتها جارتُها
طلقها زوجُها
.......................
صاحبُ سُلطانٍ
طالَ عُمرُهُ
حَسَدَهُ الناس
تَحَسَنَت صِحَتُه
.......................
صاحِبُ مالٍ
رَبِت تِجارَتُهُ
حَسَدَهُ الناس
إحتكر الأسواق
.......................
فريقُ كُرَةٍ
فاز ببطولةٍ
حَسَدَهُ الناس
حقَقَ أرقاماً قياسية
.......................
ظلومٌ هو الحسدُ كباقى الأشياء
لا لإضرارِه بالناس
وإنما لِعَدَمِ مساوتِه بين المَحَسَّدين
تَراهُ يُحابى ويحاذرُ أصحاب النفوذ
وكأنما.. بنفسهِ.. يستعيذ باللهِ من شر حاسديهم
فيمتطى جوادَه
ويصب نِقمته، على غيرِ عادة، على الحاسدين!!
......................
......................
وحسبُ كلُ حسودٍ أنَ ناظرَهُ ... إلى مهالِكِه من حيرةٍ شَخِصا
(عماد الدين الأصبهاني)
......................
عمرو عشماوى (07-07-2008)

Thursday, June 19, 2008

طينٌ وماء

صُدفةٌ كان لقائِهما
................................
دون أن ينطقَ
وقفَ أمامها متأملا ملامحها
كأنه للمرة الأولى يراها
................................
تذكرَ حين غازلها بأبياتٍ لعلى الجارم
أنتِ رُوحانيَّة ٌ لاتدّعى غيرَها ... فالأمرُ كالصبح جلاء
فاسألي المِرآة َ هل يوْماً رأت ... أنَّ هذا الشكلَ من طينٍ وماء

................................
الآن فقط، أدرك ما كَتَمَتهُ المرآةُ من الجواب
فلربما أخفت الإيجاب
فما عكست سوى طينٍ وماءٍ
قد أختلطت بهم بعض مساحيق التجميل والأصباغ
................................
لوحت بيدها أمام عينيه .. ما بكَ؟
تنبه لها .. تلعثم قليلا ثم قال
حبيبتى .. تزدادين جمالا مع الأيام!!
................................
عمرو عشماوى 18-06-2008

Wednesday, May 14, 2008

الشيخ البحبحانى

سألَ رجلٌ الشيخَ البَحبَحانى؛ يا شيخ، سرقتُ بيضةً من عش جارى، فرقدت عليها إحدى فراخى، فأخرَجَت ديكا كان نواةً لأكبر مزرعة دواجن على أسطح قريتنا. فما كفارة ذنبى؟

فقال الشيخ البحبحانى؛ كلُ فِرَاخِكَ لجَارِكَ.

قال الرجل: لقد ذبحت أكبر فراخى وجأت لأدعوك على الغداء معى. ولكن طالما الفراخ لجارى ...

قاطعه الشيخ البحبحانى: انتظر يا بنى؛ قاتل الله العَجَلَة؛ إبقى أسلق بيضة وأبعث بها لجارك.

هكذا هو الشيخ البحبحانى، سُمىّ بإسمه لا لتيسيره على الناس وإنما لأنه "يُبَحبِحُ" فتاواه لتوافق هواه وتخدم مصالحه الشخصية. ولعل شيخ ديار الشاعر محمد مهدى الجواهرى هو أبلغ من عبر عن مذهب الشيخ البحبحانى فى فتواه فى الخمر حيث يقول محمد مهدى الجواهرى:-

من شيخ دَيْرِيَ فَتْوى ... عندي وعهدٌ قديمُ
أن لا تَحِلَّ مُدامٌ ... حتى يَحِلَّ النديم

فهكذا يرى الشيخ أن الخمر تحل للجواهرى فقط؛ حينما يكون هو النديم.

منذ أيام شاهدت حلقة من برنامج دينى على إحدى قنوات المنوعات، وقد أُستُضيف أحد الشيوخ المشهورين، أو الساعين للشهرة، وقد خُصصت الحلقة للإجابة على أسئلة المشاهدين. تلقى الشيخ إتصال يستفتيه فى الإقتراض من البنك ورد المال المُقتَرَض بعد فترة من الزمن بعد إضافة نسبة "فائدة" محددة، وقد ادعى المتصل أنه يريد أن يقيم مشروع تجارى خاص بهذا القرض وأن أمه مريضة ويريد أن يتكفل بعلاجها. وهنا يرد الشيخ على السؤال؛ "ضرورتك تبيح ذلك. حلال".

بعد الإتصال سألته مُقَدمة البرنامجِ؛ وهل تبيح الضرورة الكذب من أجل السفر لفريضة الحج؟ وقد عنت بالكذب أن يسافر الحاج بغرض السياحة أو الزيارة ثم يمد إقامته حتى ينتهى من شعائر الحج، وهنا يجيب الشيخ؛ "بالطبع لا. حرام. الكذب حرام".

هكذا؛ فى أقل من ساعة، يُبيح الرجل الربا من أجل إقامة مشروع تجارى ويُحرّم الكذب على السلطات من أجل أداء مناسك الحج، يُبدى تساهل مبالغً فيه فى قضايا البيوع وأيْمانِ الطلاق، وحين يُسأل عن التدخين؛ فهو حرامٌ قطعاً ورُبَما كان من الكبائر.

بعد إنتهاء الحلقة أشفقت على الرجل، فقد بدا وكأنه أفتى بحل الخمر على الرغم من أنه ليس هو النديم، فلو كان له نسبة من الفائدة المضافة على القرض الذى أباحه كما نال الشيخ البحبحانى نصيبٌ من الفرخ المسروق لعذرته، ولكن للأسف هناك من "يُبَحبِحوا" فتاواهم على شاشات الفضائيات فقط .. من أجلِ القليلِِ من المَرَق.

عمرو عشماوى 14-05-2008

Monday, March 24, 2008

محاكمة روحية

بدت قاعة المحكمة كعادتها، منصة القضاة فى صدر القاعة، مدعى النيابة على يمينها ومقاعد للحاضرين تستقبلها، إمتلئت القاعة بالحضور، بدا كل شئ كأنه طبيعى، غير أن قفص الأتهام لم يكن موجوداً كعادته، فقد حل مكان قضبانه مجموعة من المباخر شكلت نصف دائرة جالس فى منتصفها رجل جاوز الثمانين من العمر يفتح أمامه كتاب يدل لون وطول صفحاته على عتاقته.

أنطفأت الأنوار وأشعلت المباخر، أصبحت القاعة مضاءة بنور المباخر بالإضافة إلى بعض الشموع فى آخرها. بدأ العجوز فى منتصف دائرة المباخر يتمتم بكلمات غير مفهومة. ساد صمت مطبق على المكان، إحتبست الأنفاس، وفجأة ارتجت القاعة بصوت طرق إنخلعت معه القلوب، مضت لحظة صمت ثم تكرر صوت الطرق مرة أخرى تزامن معه ظهور رجل فى آخر القاعة بدا واضح من ملابسه وهيئته أنه مختلف عن باقى الحضور .. تركزت الأنظار عليه، تابعته عيون الحاضرين بشغف و إنبهار، فقد كان رجلا ليس من هذا الزمان!

عمامة حمراء تدلت من أطرافها خصلات شعر إصطبغت بلون نارى عَلَت رأس القادم الغريب. لحية كثة ضاهى لونها لون بعض خصيلات شعره التى خالطتها، وعبائة وافق لونها لون عمامته. مشى الرجل بخطوات ثابتة حتى أستقر فى منتصف دائرة المباخر الناقصة. هدأ دخان المباخر، وأخذ الرجل يتفقد من حوله فى ذهول وقد هجر الغمض أجفانهم لمدة ثلاث دقائق كاملة قبل أن يفيق القاضى من دهشته وينظر خلفه إلى الحاجب ويشير إليه بصرم حلّ عقد لسانه لينطق أولى الكلمات الواضحة فى هذه الجلسة، لتدوى أصدائها فى ظل صمت مهيب معلنة أسم المتهم: "الحجاج بن يوسف الثقفى"

القاضى: يا أمير .. مرت بالعراق نكبات جسام، وقد انقضى عهد من الظلم والإستبداد أُختُتِم بمحاكمة عادلة أعادت الحقوق وخففت بعض الكروب. وقد رأينا أنه إتماما لما بدأنا يتوجب علينا رد المظالم وتحقيق العدالة فى كل تاريخ العراق آملين أن يهدأ الحال ويدوم السلام. وليس بمقدورنا فى هذه المحاكمة تغيير الأقدار وإنما هى محاولة لإحقاق الحق ودفع المظالم. وعليه فإنك متهمٌ أنك من أصحاب النار. وقد عينت المحكمة محامى للدفاع عنك. هل حضر المحامى؟

المحامى: سيدى القاضى .. حاضر مع المتهم.

القاضى: مدعى النيابة .. من فضلك وضح حيثيات الإتهام.

مدعى النيابة: بسم الله العزيز الجبار، القائل فى كتابه – وقوله الحق- "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" صدق الله العظيم. لقد قاد الحجاج العراق فى زمن أُستُهين فيه بدماء الرعية، وأُستُبيحت كرامتهم، وهُدد أمنهم، وشُتت شملهم، وقُيدت حرياتهم. وقد تجاوز المتهم (الحجاج بن يوسف الثقفى، أمير العراقين) فى بطشه وتجبره المعهود، حتى أصبح مضرب للمثل، وأُحجية تتنافلها الأجيال على مر العصور. وإنا نوجه إلى المتهم (الحجاج بن يوسف الثقفى) إتهامنا له بأنه من أصحاب الجحيم.

القاضى: يا حجاج .. هل لديك تعليق على الإتهام؟

الحجاج: هل لا تزال الخلافة فى بنى أُمَيْة؟!

تعالت همهمة فى قاعة المحكمة من الحضور إثر سؤال الحجاج أصابته بالضجر. وقطع القاضى تلك الهمهمة مخاطبا المحامى بأن يبدأ مرافعته.

المحامى: بسم الله الرحمن الرحيم. سيدى القاضى .. بداية أسجل إعتراضى الشديد عن توجيه تهمة القتل لموكلى؛ فلا يُأخَذ ولى الأمر بدم ولا يُقضى عليه بقصاص، لأنه حين يقتل فهو يُنفِذ القانون. فإن تجاوز وشَطّ فالظلم هو أقصى ما يُأخَذ عليه. وإنما العدل و الظلم ككفتى ميزان تُُرَجِح ملابسات الأحداث والظروف أحدهما على الآخر، فلا يوجد خارج حدود الله عدلٌ مطلق أو ظلمٌ مطلق، وببعض التدقيق نجد فى زمن الحجاج ما يبرر قسوته. فقد تولى الحجاج زمام الأمر فى العراق فى زمن تعاظمت فيه الفتن حتى كادت أن تعصف بالأمة والخلافة، ففلول أتباع بن الزبير فى شبه الجزيرة العربية، والخوارج يعوثون فى الأرض فسادا فى ثورتهم المزعومة، يطمحون إلى كرسى الخلافة فى دمشق. الخوارج أيها السادة .. الخوارج فى ذاك الزمان أشد خطرا من الروم. خطر داهم يزيد مع الوقت، تصدى له الحجاج بعزمه وصرامته. نعم بعض القسوة، ولكن .. ولكن الغاية عظيمة. تسيير جيش عظيم من العراق لوقف زحف هذا الخطر الداهم والحفاظ على الخلافة ووحدة البلاد. إنها الغايات العظام التى تبرر بعض القسوة.

مدعى النيابة: قسوة مبررة! إنها المبالغة يا سيدى. طريقة قديمة ومعهودة، المبالغة فى تصوير خطر العدو لتبرير الأخطاء الجسام. ألم يكن الخوارج يدينون بالإسلام؟! إن ثورة الخوارج لم تتعدى خلاف سياسى طبيعى.

المحامى: خلاف سياسى! إن إنتماء الخوارج للإسلام هو ما عظّم الخطب وأجله، فإن أعظم الخطر ما يأتى من الداخل. فلو نظرنا إلى منهجهم فى ...

القاضى: ليس هذا المجال لمناقشة منهج الخوارج وخطرهم. فلنستمع إلى الشهود.

الحاجب: الشاهد الأول .. سعيد بن جبير

للمرة الثانية إشتعلت المباخر، وبدأ العجوز صاحب الكتاب العتيق فى التمتمة مرة أخرى. بينما أصاب الحجاج وجوم وذهول حين سمع اسم سعيد بن جبير، وكأنما تذكر حلم قديم رأى فيه أنه قامت الساعة وأنه قُتل من كل فرد قَتَلَه مرةً بنفس الطريقة التى قتله بها وأنه قُتل من ابن جبير سبعين مرة. بدا الحجاج واجما غارقا فى ظنونه حتى أنه لم يسمع صوت الطرقات التى علت فى القاعة، فقد بدأ يعتقد أن تلك هى أول قتلة من سبعين بن جبير.

تنبه الحجاج حين مثل بن جبير بين يدي القاضى. رجل أسود الوجه، أفطس الأنف، ذو لحية طويلة بيضاء يخالطها بعض السواد.

القاضى: بن جبير .. أيها الشيخ الفاضل .. إن الحجاج متهم بأنه من أصحاب الجحيم. فهل تقر هذا الإتهام؟

بن جبير: وكيف لى أن أقر أمرا بيد الله؟

مدعى النيابة: بالعلم يا بن جبير. ألم يبين الله حدوده؟ ألم يُفَصّلَ أوامره ونواهيه؟

بن جبير: بلى .. وإنما بيّن الله الحدود ليُحكَمَ بها فى أمور الحياة، أما فى أمور الآخرة فلا حكمَ عيره سبحانه وتعالى.

مدعى النيابة: إذا فلتقضى بشأنك. ألم يُشّردك الحجاج سنين؟ ألم يظفر بك ويقتلك وأنت العالم التابعى الجليل؟ أفلا تقتص لنفسك يا بن جبير من طاغية مبير؟!

ساد صمت عميق، وخالط الترقب قلوب وعقول الحضور، ولأول مرة بدا القلق واضحا على وجه الحجاج منتظرا إجابة بن جبير، وكأنما قد رضى مسبقا بحكمه.

بن جبير: إنما القصاص يوم القصاص، عند حكمٍ العدلُ من أسمائه. قصاصٌ عند خبير عليم.

إنصرف بن جبير تاركا من خلفه فى حيرة عظيمة. فلم يدر الحجاج أيفرح أم يحزن بهذا الجواب! ففى القصاص ذل له وفى الإعراض توبيخ.

المحامى: سيدى القاضى .. لقد رفض شاهد الإثبات أن يقر التهمة على موكلى وبذاك أطالب ببراءته.

مدعى النيابة: إن الشاهد وإن لم يقر التهمة فلقد أقر الذنب. وبذاك أطالب بإثبات التهمة على المتهم.

المحامى: سيدى القاضى .. إنا وإن أثبتنا التهمة على موكلى فبذاك نتهم رجلٌ وصلت الدولة الإسلامية فى عهده إلى أكبر إتساع لها بأنه من أصحاب النار. دولة من الأندلس غربا إلى حدود بلاد الصين شرقا تحت إمرة خليفة واحد. دولة تهابها الممالك فى شتى أنحاء الأرض بعد أن كانت مقسمة، ومنشغلة بالفتن. الحجاج أيها السادة أميرٌ منشغلٌ بعز بلاده يُسَيّر الجيوش ويقمع الفتن. إنى أطالب ببراءة الحجاج من التهمة الموجهة إليه، فإن لم تكن البراءة لأجله فمن أجل أمراء هذا الزمان! فلو كان الحجاج من أهل النار فما ظنك بمن ضاعت البلاد والعباد فى عهدهم؟! إن الحجاج ...

القاضى: مالنا ومال هذا الزمان! لقد خرجت عن الموضوع! الحُكم بعد المداولة.

تعالت الأصوات فى القاعة وإنشغلت كل مجموعة بمناقشة الأمر على إنفراد وكأنما ظنوا أنهم هم من سيصدر الحكم. لم يمض وقت طويل حتى قاطع صوت القاضى الحضور معلنا حكمه.

القاضى: حكمت المحكمة على المتهم الحجاج بن يوسف الثقفى بأنه من أصحاب النار. رُفعت الجلسة.

على غير المعتاد؛ بعد صدور الحكم خيم صمت مطبق على الجميع قطعه الحجاج قائلا من نظمه:
يا ربِ قد حَلَفَ الأعداءُ واجتهدوا ... أيمَانَهُم أني من ساكني النارِ
أيحلِفـونَ على عميـاءِ؟ ويــحُـهــم ... ما ظَنُهُم بعظيمِ العفوِ غفـارِ

غادر الحجاج دائرة المباخر واتجه نحو باب الخروج فى ظل ترقب وصمت مهيب. تبعه المحامى مهرولا.

المحامى: سيدى هذه البطاقة عليها إسمى، ربما إحتجتنى لاحقا.

أخذ الحجاج البطاقة فى صمت دون أن ينظر فيها. ثم ألتفت مكملا طريقه للخروج. لحظات ثم لاحظ المحامى بطاقته وهى تسقط ممزقة من يد الحجاج قبل أن يختفى عن الأنظار. إتجه المحامى إلى بطاقته يلملمها من على الأرض وهو يفكر فى الحجاج؛ ربما أنه ضاق ذرعا بكل من فى القاعة لذلك مزق البطاقة. نعم ربما. وربما مزقها لأن أهل الجنة لا يحتاجون لمحامى للدافع عنهم!


عمرو عشماوى (25-03-2008)

Thursday, February 14, 2008

أمــانـى


تمنت أن يَنْظم حبيبها فيها قصيدة
تتغزل في محاسنها
تُعَلّق على أستار الكعبة
.........................
تمنت أن تدوس قدماها طين ملكى
ترابه المسك والزعفران
تلهو به قليلا وتتركه
.........................
تمنت أن تُجَهَز بجهازٍ أسطورى
تنزل بقصرٍ فى كل محطة
ويتناقل المؤرخون أخبار الزفاف
.........................
القت اللوم علي حبيبها
فلم يكن شاعر وفارس شجاع
ولم يكن ملكا على أشبيلية
ولم يكن خليفة عباسى
.........................
هو ألقى اللوم عليها
فلم تكن أبنة سيده
ولم تكن تجيد الشعر والغناء
وليس أبوها أميرا طولونى
.........................
تمنت كلمات حب رقيقة
أسمعها إياها خالية من الصدق
قَبِلَتها رغم إحساسها بكذبه
لتظل أحلامها دائما كإسمها
أمــــــــــــــــا نـــــــــــــــى
.......................
عمرو عشماوى (14-02-2008)