Sunday, July 1, 2007

قم للمعلم


"مدرستى جميلة .. نظيفة .. متطورة .. منتجة"، "قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا" عبارتان شهيرتان تقع عليهما عيناك إذا ما أقتربت من أسوار إحدى المدارس المصرية أو طفت فى فنائها أو تفقدت فصولها. وقعت عليهما عيناى حين مررت على مدرستى الإعدادية وتسائلت هل كانتا موجودتين حين إلتحقت بالمدرسة ام لا، لم أستطع أن أتذكر ولكن بالتأكيد كلمة "منتجة" المضافة حديثا لم يكن لها وجود آن ذاك. ليست العبارتان فقط ما لم استطع ان أتذكر وجودهما فى المدرسة ولكن الكثير من الأشياء و الأحداث والأشخاص.

ولكن أكثر ما تذكرت كان فى السنة الأولى من إلتحاقى بالمدرسة. ليس لأنها إنتقال إلى مرحلة جديدة أو لأنها السنة الأولى فى سلسلة من الأحداث المثيرة والمفيدة فى مدرستى الجميلة النظيفة المتطورة فلم تكن مرحلة جديدة ولا أتذكر إن كانت المدرسة جميلة أم لا، ولكن ما ميز السنة الأولى هو مجموعة من المعلمين لا أظن أنه من الممكن نسيانهم.

فذاك معلم اللغة العربية أتذكر بشدة جملة شهيرة له كررها كثيرا فى بداية الحصص: "تحبوا نأخذ الدرس .. ولا نتكلم فى الدين؟" طبعا من السهل توقع الإجابة الجماعية! وهنا يفتح المعلم باب الأسئلة التى لم تكن غزيرة فى ذاك الوقت حيث أن كل الطلبة كانوا فى سن لم يتخطوا به مرحلة الطفولة، فيختار المعلم الموضوع ويتكلم فيه وفى معظم الأحيان تكون قصص يدعى أنه عايشها أو رآها يحاول أن يوصل من خلالها فكرة معينة. فى إحدى المرات بدأ الموضوع بسؤال عن أكثر الدول تقدما ,يعنى التقدم العلمى, كانت إجابة الطلاب فى ذاك الوقت أن "أمريكا" هى الأكثر تقدما وهنا يسأل مرة أخرى "لماذا؟" فتبدأ سلسلة من الإجابات الطفولية مثل "أمريكا هى إلى أخترعت الطيارة" وما شابه ولكن أى من الإجابات لم يحظى بإستحسان. وهنا يجيب المعلم عن السؤال بأن "اليابان" هى الأكثر تقدما ويروى دليله أن اليابان تحدّت الولايات المتحدة فى أن "تخرم الشعرة" ,نعم عى شعرة الرأس, فحاولت "أمريكا" بكل تقنياتها أن "تخرم" شعرة رأس ولكنها لم تنجح وهنا يأتى دور اليابان فى المحاولة فأتوا "بأدق آلة تستخدم فى إصلاح الساعات" و... "خرموا الشعرة"، نجح اليابانيون وأثبتوا تفوقهم العلمى ونجح المعلم فى إثبات أن اليابان هى الأكثر تقدما وهى معلومة قد تكون أهم من درس فى النحو أو القراءة.

أيضا تذكرت معلم مادة العلوم وكان يظن فى نفسه أكثر من مدرس لمادة العلوم للصف الأول الأعدادى وربما تعامل معنا من هذا المنطلق. ذات مرة سأل أحد الطلاب سؤالا فأخطأ الإجابة فبرر المعلم الخطأ بأن الطالب فقط يحفظ الدرس ولا يهتم بالفهم ثم نقل إتهامه إلى جميع طلاب الفصل وبدأ فى إرسال الجمل اليائسة المحبطة "مفيش فايدة" و"هتفضلوا طول عمركوا كدة" وسلسلة من الإحباطات غير المبررة، ثم سكت للحظات ثم توجه إلى نفس الطالب الذى أخطأ إجابة السؤال منذ دقيقة: "قوم يابنى... يعنى أيه زلزال بالإنجليزى؟؟؟". كان سؤال مفاجئا، فقد كان منهج مادة العلوم لهذه السنة الدراسية لا يحتوى على شرح لأى من الكوارث الطبيعية، الأهم من ذلك أن جميع الطلاب فى الفصل يدرسون جميع المواد باللغة العربية، بل إن منهم من يدرس اللغة الإنجليزية للمرة الأولى!. لكن هذا ما حدث "يعنى أيه زلزال بالإنجليزى؟" هذه المرة كان السؤال للجميع، و بالطبع لا مجيب فيشير المعلم للطالب بإشمئزاز لكى يجلس وبدا وكأنه قد نجح فى أم يثبت لنفسه ما ظنه منذ البداية. ثم رفع رأسه وألقى سؤال آخر لكى يقطع الشك باليقين: "يعنى أيه بركان بالإنجليزى؟؟".

كلما تذكرت ذلك الموقف لا أستطيع أن أتوقف عن الضحك، حتى أنى ضحكت بصوت مسموع وأنا أكتبه، لكن لم يكن ذاك هو الحال ساعتها، فأذكر أنى قد شعرت بإحباط شديد حين فشل الجميع فى إجابة السؤال الثانى وأخذت ألوم نفسى ولكن لا أعرف على أى شئ ألقى ملامتى!! كيف لا أعرف معانى الكوارث الطبيعية باللغة الإنجليزية وأنا أدرس القواقع البحرية باللغة العربية فى مادة العلوم فى الصف الأول الإعدادى؟؟؟!!!!.

لا أستطيع أن أنكر أن هناك الكثير من المعلمين المحترمين الأسوياء قد درسوا لى وقد راعوا الله فى عملهم وفى تلامذتهم، حتى لا أنكر الدور الهام الذى قد لعبه بعض المعلمين ومنهم من ذكرتهم آنفا فى إعداد مواطن يستطيع أن يعيش على أرض هذا الوطن وفى ظل نظامه. فإذا كان ثقب فى شعرة الرأس هو دليل للتقدم التكنولوجى فإن حفر قناة فى الصحراء بالقرب من الوادى الجديد لتكون هى الأمل فى التطور الزراعى والصناعى وحل جميع الأزمات يبدو حلا عبقريا، وكما نجح المعلم فى أن يجعل طلاب فصل بأكمله يلقوا اللوم عى أنفسهم لسبب لا يجدوا له تفسير أو حل فقد ينجح الساسة فى جعل الشعب بأكمله أن يلقى اللوم على نفسه لأنه "كتير" ويزيد يوما بعد يوم و"هنأكلكم منيين؟" وفى الأخير على ماذا نلوم أنفسنا؟؟!! "عيب بقى.".

ربما لذلك السبب لم يستثنى أحمد شوقى من شعره الخالد أيا من المعلمين، فجميعهم يستحق التبجيل وكل منهم يعتبر رسولا.. لكن ربما كان منهم رسلا يدعون بدعوة خالفت ما ظنه أمير الشعراء.



عمرو عشماوى 2007-06-30