Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts

Wednesday, May 26, 2010

Nostalgia

واحدة من أسوأ إشارات المرور فى القاهرة الكبرى تُأخر وصوله للعمل ربع ساعة يوميا، تزداد قسوتها صيفا بعد إزالة كل مصادر الظل من جانبى الطريق فتُنفِذُ صبره وتُفسِدُ مزاجه.
.....
درجة الحرارة تقارب الأربعين حسب موقع الياهو، وهو كعادته متأخرا عن عمله يتصبر بسماع إذاعة إف إم على ملل الإشارة اللعينة، السيارات بجواره تباطئ سرعتها كفوج يساق إلى الجحيم، ومن وسط الزحام تصاعدت نغمات أغنية من السيارة القادمة من خلفه لتضئ تدريجيا جانبا من ذاكرته أظلم من سنوات عشر.
.....
أغلق الراديو قبل أن تستقر السيارة بجواره تماما ليستمع إلى أغنية غرامه القديم كأنها صادرة من راديو سيارته. حدق فى صاحبة السيارة علها تكون صاحبة الذكرى، فرغم إختلاف ملامحها وظاهر عمرها عن حبيبته الأولى؛ إلا أن الأغنية ظلت تلح عليه أنها هى، إذ ما الذى يغرى فى أغنية إبتعد صاحبها عن سوق الغناء بعد إصدارها بعامين، وما يغرى فى أغنية صار يراها مكرورة المبنى والمعنى ربما بعد نضجه الفنى وإختفائها من جميع الإذاعات، لكن بعد ثوان؛ رجّح عقله أنها ليست صاحبة الذكرى، وأكدت أذنه أنها أغنيتها.
.....
صار لثوان هائما فى إمرأة نسى ملامحها وقد أَنسَته النغمات الزحام ومواعيد عمله، وصار يرجو دوام اللون الأحمر فى إشارته اليومية وعدم توقف الراديو المجاور عن غناء ما أهدته حبيبته معرضة بحبه. كان يستمع لهذه الأغنية دون ملل يوميا طوال شهرين من إهدائها له.
.....
قطع شجنه تحرك السيارات من جانبه بعد تحول الإشارة إلى اللون الأخضر قبل إنتهاء الأغنية. إنحرف يمينا بحدة ليتخطى التاكسى الذى أمامه ويكمل الأغنية مما أثار صاحبة السيارة لتزيد من سرعتها فى محاولة للهرب من ملاحقته. كرر الإنحراف يمينا مرة أخرى ليلحق بها وسط الزحام؛ لكن هذه المرة لم تواتيه عجلة القيادة ليستطدم بتاكسى أمامه نزل صاحبه ثائرا بعد أن بدأ وابل من السباب بدا يحفظه عن ظهر قلب.
.....
غادر سيارته متجاهلا سائق التاكسى متابعا بشغف السيارة الهاربة بذكرياته وقد بدأ نغمات الأغنية المنبعثة منها يتلاشى ويحل محلها أغنية "حجرين ع الشيشة" المنبعثة من التاكسى المصدوم من الخلف.
.....
هدأ سائق التاكسى تدريجيا بعد أم تأكد من خلو سيارته القديمة من أى إصابات مكلفة وعاد كل منهما إلى سيارته منتظرا مرة أخرى أن تعطى الإشارة ضوئها الأخضر لإستكمال الطريق إلى الجحيم.
.....
طول طريقه للعمل فشل أن يتذكر نغم الأغنية أو شطر من أبياتها كأنه يوما لم يستمع إليها عشر مرات فى اليوم الواحد، فشل تماما، وزاد الأمر سوأ أن أغنية "حجرين ع الشيشة" ظلت تلح عليه طول الطريق وكأن سائق التاكسى يطارده.
.....
.....
عمرو عشماوى
26-05-2010

Saturday, February 20, 2010

نعى

فى الذكرى السنوية الأولى لوفاة والده؛ يتولى بنفسه إجراءات نشر النعى فى إحدى الصحف العريقة. لا يعلم سببا لمتابعة صفحة الوفيات إلا إطمأنان قارئيها أنهم بعد لم يفارقوا الحياة؛ إذ يتأكدون من غياب صورهم وأسمائهم، مؤقتا، من الظهور فى الصفحة قبل الأخيرة من الجريدة. رغم عدم إقتناعه بجدوى هذه المراسم إلا أنه يتعامل مع الأمر بجدية تامة إكتسبها من والدته؛ إذ تولى؛ بطبيعة الوضع الإجتماعى المرموق للعائلة؛ إهتماما مبالغا فيه لهذه الأمور.
..........
خرجت مهرولة من غرفة جانية تتفقد بسرعة أوراق ملف تحمله. تلاقت عينيهما للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات؛ توقف عن السير، وتراجعت هى خطوتين للوراء، وقد تخلت عن مراجعة أوراقها، لتقف قباله تماما. لثوانٍ وقفا يتأملان بعضهما فى صمت، قبل أن تبادر، بجرأتها المعهودة، بالكلام:
هى: جاى تعمل أيه فى الجرنال بتاعى؟
هو مبتسما: ده جرنال الحكومة
هى: طيب جاى تعمل أيه فى جرنال الحكومة؟
هو: جاى أنشر نعى فى الذكرى السنوية لوالدى
هى بنبرة حزينة: أنا أسفة جدا .. البقاء لله
هو مشتتا تعاطفها:ونعم بالله، إنت شغالة هنا؟
هى: لسة فى فترة تدريب .. بس قريب هبقى رئيسة التحرير
هو مبتسما: لم تتغيرى!
..........
إكتفت بإبتسامة وطلبت منه إنتظارها حتى تسلم مقالتها لرئيسها فى الغرفة المقابلة.
..........
راح يتابعها وهى تحادث رئيسها بشغفها المعهود، مشعة دائما وفى أى مكان. لا يدرى كيف إتفقا على الفراق بهذا البرود، كان الفارق الإجتماعى بينهما كبير، كانت كنجمات أفلام الأبيض والأسود القديمة، لكنه لم يكن أبدا كأبطال هذه الأفلام؛ ودون مقاومة؛ إستجاب لنصائح أبيه ومعارضة أمه.
..........
سرت قشعريرة فى جسده كمن صعقته الكهرباء فى مسبح حين رأى لوحته معلقة فوق مكتبها؛ شمس برتقالية باسمة ترتدى عوينات طبية ترسل أشعتها كأحرف عربية مبعثرة وقد توهجت حروف أسمها فيها بلون نارى. كانت أول من أهداه كتابا باللغة العربية؛ تتصل به ليلا لتقرأ له ما أعجبها منه، وتفسر له ما إستعصى عليه فهمه. بيده أضاع شهرزاده وأطفئ شمس الحروف المبعثرة.
..........
هى: معلش كان لازم أعرض المقال على رئيس القسم قبل ما يمشى.
هو: لسة عندك لوحة الشمس والحروف؟
سكتت ثوان خجلة قبل أن تجيبه مازحةً: صورتى وعجبانى
هى محولة مسار الحديث عن الصورة: ما رسمتش حاجات جديدة؟
هو: مش قادر أرسم خالص .. مش عارف ليه
هى: حرام عليك لازم ترجع ترسم زى الأول
..........
راحت تذكره بلوحاته وتمدحها كمحاورة فى برنامج تليفزيونى عن الفن التشكيلى لا يشاهده إلا من أضاع جهاز التحكم عن بعد أو من سأم تغيير المحطات الفضائية المكرورة. أما هو فكان كضيف هذا البرنامج؛ يجادلها متمنيا ألا ينتهى الحديث وهو يعلم تماما أنها قريبا تنهيه، وأنه سيعود إلى الظل كما كان.
..........
مرت دقائق كلامه معها مسرعة، ينتابه شعور متناقض؛ يتمنى أن يمضى يومه فى حديثه معها فى ذات الوقت يأمل نهاية اللقاء وراحته من من التفكير فى التمرد على الحياة الرتيبة التى إختارها بعدها.
..........
غابت عن ناظريه بعد حديثهما القصير تاركته فى حيرة لم تنتهى بنهاية لقائهما، ظل واقفا فى مكانه يتحسس قصاصة ورقية فى جيب سترته تحوى صيغة النعى، شاردا فى حاله، ناقما من ضعفه؛ إذ لا يدرى ما الذى يمنعه من أن يلحق بها كنهاية الأفلام العربية متحديا حاله متجاهلا عذاله، لكن يبدو أنه نعى فرصته لوَصلِها منذ فراقهما الأول بلا عزاء، فما تُغَيرُ ذكراها؟!
..........
عاد أدراجه من حيث أتى وقد ألقى نص النعى فى سلة المهملات، عاد رافضا أن يتم مهمته البرجوازية؛ عاد وقد صار يدرى لماذا لم يعد قادراً على الرسم منذ ثلاث سنوات.
..........
أقَصْرَ حُمَيدٍ! لا عَزَاءَ لمَغْرَمِ ... وَلا قَصرَ عن دَمعٍ، وَإن كان من دمِ
أفي كُلّ عَامٍ لا تَزَالُ مُرَوَّعاً ... بِفَذّ نَعيٍّ، تارَةً، أوْ بتَوْءَمِ
(البحترى)

..........
..........

عمرو عشماوى (20-02-2010)

Wednesday, December 2, 2009

هدايا


فتحت صندوق الذكريات، كما تسميه، وراحت تخرج ما فيه.
.....
قطعةٌ خشبيةٌ حُفِرَت عليها تقاسيم وجهها، وأسم حبيبها بخط صغير أسفل الرسم، وتاريخٌ يعود إلى سنواتٍ ثلاثٍ قبل يومها ذا. تنظر إلى القطعة الخشبية فترى وجهها كأبهى صورها على الإطلاق، بعضُ الزورِ مباحٌ على لوحٍ خشبى إذا وافق ما عَمِىَ عنه راسمُها، وقتها، من بعض العيوب. كانت هديته لها فى عيد ميلادها الأول بعد تعارفهما.
.....
دفترٌ بال، فى كل صفحة طابع بريد، تحته، وبخط جميل كلوحة فنية تظهر جمال أحرف العربية دون تكلف الثلث أو غموض الكوفى، كتب كل ما يعرف عن هذا الطابع؛ مناسبة وتاريخ صدوره، وصف وشرح ما رُسم عليه، إنطباعه عنه وتاريخ معرفته به. أهداها دفتره لجمع الطوابع بعد إدعائها أنها كانت هوايتها القديمة.
.....
ديوانُ شعرٍ فى صفحته الأولى إهداءٌ أرقُ من أجملِ قوافيه، يحكى ولعَ شاعرِه بضُمَيّريةٍ يوافق إسمُها إسمَها، فيرى أنه إذا أراد زيادةً فى حبها ما وجد مزيدا، كان هديته الأولى يصارحها فيه بحبه.
.....
تعذبها هداياه بعد فراقه كما حيْرتها وقتها؛ كانت كفتاة شرقية من الطبقة المتوسطة تقيس جديته بثمن هداياه؛ دائما تشك فى نواياه، أبدا لم تحاول فهمه؛ لم تخرج نحته لصورتها من صندوقها، لم تدرس من دفتر الطوابع سوى صوره، ولم تقرأ من ديوانه سوى الإهداء.
.....
بيدها كتبت نهاية علاقتهما، ونهاية هداياه، وبإلحاح صديقاتها غيرت صفات فتاها المنتظر إلى تاجر غنى أو طبيب مرموق.
.....
هو هو؛ فى عيد ميلاد خطيبته؛ أهداها ثمنَ هدية ثمينة تختارها بنفسها.
.....
.....
عمرو عشماوى (02-12-2009)

Sunday, August 9, 2009

عدسات ملونة

هى: تحت امرك يا فندم.
هو: انا عاوز عدسات لونها زى بتاعتك بالظبط.
هى مبتسمة: حاضر يا فندم .. ثوانى.
................
غابت قليلا .. ثم عادت وبيدها علبة صغيرة ناولته اياها ليتفقد الصورة الخارجية سريعا قبل انت ترتسم علامات الرضا على وجهه إذ وافق لون العينين المرسومتين على العلبة مبتغاه.
................
هى: أنا اسفة جدا سائل الحفظ الخاص بالعدسات مش لاقياه .. لو حضرتك اديتنى ساعة بس هيكون جاهز.
هو: مفيش مشكلة .. انا هشتريها دلوقتى .. وهنتظر الساعة دى فى الكافيتريا المقابلة للمحل.
هى: أوك .. أنا هجيبو لحضرتك بنفسى هناك.
هو: متشكرجدا .. فى انتظارك.
................
قضى وقته يفكر فى فتاته التى اشترى العدسات من أجلها، يفكر كيف أن إيليا ابو ماضى، ببيت من الشعر، كان وراء إصراره على أن تستبدل النظارات الطبية بتلك العدسات الملونة، كم تعب فى إقناعها بذلك.
................
تناول قلم من جيبه وكتب على علبة العدسات:
لولا نواعسها ولولا سحرها ... ما ودَّ مالك قلبه لو صيدا
................
هى: إتأخرت عليك؟
قالتها وجلست فى المقعد المقابل له بعد ان وضعت حقيبة يدها على الطاولة.
هو مبتسما: لا أبدا .. إتفضلى.
هى مازحة: ما أنا إتفضلت خلاص. الحقيقة سائل الحفظ لسة مجاش وانا ميعاد ورديتى خلص.
هو مشيرا للنادل: ولا يهمك .. تشربى ايه؟
هى مستطردة: لو ممكن تجيلى بكرة فى نفس الوقت ده؛ أكيد هيكون جاهز.
هو: مافيش مشكلة. أنا لفيت كتيير على درجة اللون وملقتهاش غير عندكو ولقيتك كمان حطاها. تشربى ايه؟
هى خجلة: على فكرة دى مش عدسات؛ ده لون عينى الطبيعى.
النادل: تشربى ايه يا فندم؟
هى: ....
................
تناولت علبة العدسات من أمامه عابثة، لتجد ما خطه عليها؛ راحت تقرأ الكلمات التى كتبها على العلبة ببطئ كطفل حديث العهد بالقراءة. كررتها مرتين قبل أن تعلن يأسها معيدة العلبة لمكانها الأول.
................
هى: مش فاهمة ولا كلمة من اللى انت كاتبها.
صمت قليلا قبل أن يجيبها: معناه إن عنيكى حلوة أوى.
هى بخجل مشيرة إلى التليفزيون: الأغنية دى حلوة أوووى. شريط حسام حبيب الجديد كله يجنن.
نظر خلفه للحظة، واكتفى بإبتسامة دون رد؛ إذ كانت هذه المرة الأولى التى يسمع فيها اسم المطرب الذى ذكرته.
هى بدلال طفولى: أيه مش بتحبه؟
هو: لا طبعا بحبه .. حد ميحبش حسام حبيب.
................
مر الوقت سريعا على كليهما وهما يتجاذبان أطراف حديث كله بلا معنى؛ إذ بعد ساعتين دون توقف عن الكلام لا يتذكر عما تكلموا، فقد إنحسر الكلام على تبادل الإنطبعات وردها عما حولهما؛ الأغانى المعروضة على التلفاز، الأكلات المعروضة فى قائمة الكافيتريا، الزبائن وكل من مر بجانبهما. بدا سعيدا بالحوار عكس ما بدأه؛ وقد حزن حقا حين إستأذنته للمغادرة.
................
هى تلملم حاجاتها: مستنياك بكرة.
هو: أكيد.
................
جلس خمس دقائق قبل أن يدفع حسابه وينصرف إلى سيارته التى أوقفها أمام الكافيتريا.
النادل مهرولا نحو السيارة: يا أستاذ .. حضرتك نسيت العلبة دى.
ناوله النادل علبة العدسات منتظرا كلمة شكر لم يسمعها إذ بدا صاحب العدسات غارقا فى التفكير وهو يتأمل العلبة بين يديه، ولما أفاق، إلتفت ليشكر النادل، فوجده قد غادر. نظر فى ساعته وانطلق مسرعا ليلحق موعد خروج فتاته من عملها.
................
أمام المستشفى، أوقف سيارته، وراح ينتظر خروجها وهو يفكر فى موعد غده؛ ترى؛ ما الذى يجذبه إليها؟ أهو سحر عينها حقا؟! ماذا يرتدى لموعده؟ سيل من التساؤلات وهروب حتى من التفكير فى إجابة.
................
قطع تفكيره صوت إغلاق باب سيارته. حينها وجد فتاته داخل السيارة بنظاراتها الطبية ومعطفها الأبيض تنظر إليه مبتسمة.
هى مازحة: اللى واخد عقلك.
هو: إتأخرتى ليه؟
هى: أصلى نسيت الجرنال فرجعت أجيبه.
أخرجت من حقيبتها جريدة المعارضة الأشهر وأشارت إليها متساءلة: قريت قصيدة فاروق جويدة الأخيرة؟
هو: لا .. مبقيتش أحبه
هى: ليه بقى إنشاء الله؟
هو: علشان بقى كئيب جدا
هى ضاحكة: كئيب بس حلو وبيعجب كل الناس
أدار محرك السيارة وهو يتمم فى سره .. مش كلهم!
................
هو: حلو الفريم بتاع النضارة .. ده جديد؟
هى: لا مش جديد .. إنت اللى مبتحبهاش فمش بتاخد بالك من ان الفريم حلو.
هو محرجا: خلاص غيرت رأيى.
هى مازحة: يعنى هترحمنى من إيليا أبو ماضى؟
هو: هو ايليا أبو ماضى وحش؟
هى: لأ .. بس مش عارفة إشمعنى القصيدة دى اللى عجباك .. ليه مش عجباك "كن جميلا" الى خدناها فى المدرسة؟
هو ضاحكا: علشان خدناها فى المدرسة
هى: كن جميلا ترى النظارات جميلة.
هو ضاحكا: طب أقريلى فاروق جويدة كتب ايه أحسن.
هى سعيدة .. و بطلاقة .. تقرأ القصيدة الجديدة الحزينة طول الطريق.
................
اللعنة على النساء! يأسرن قلبك على إختلاف طبائعهن! هكذا تمتم وهو فى طريق عودته إلى بيته بعد أن أوصل فتاته لمنزلها.
................
تناول علبة العدسات من درج السيارة، أخرج العدسات من العلبة بيد، وبيد أخرى فتح النافذة بجواره وألقى العدسات. راح يتابعها فى مرآة الشمال حتى إختفت عن ناظريه، بعدها أعاد العلبة بما عليها من كلمات إلى درج سيارته وهو يردد بيت إيليا أبو ماضى؛ لكن هذه المرة بعد أن استبدل كلمة "نواعسها" بسكتة لطيفة.
................
لولا نواعسها ولولا سحرها ... ما ودَّ مالك قلبه لو صيدا
................
................

عمرو عشماوى 08-08-2009

Wednesday, May 13, 2009

رابطة العنق (La cravate)


فى إحدى المراكز التجارية الكبرى يتنزهان، يسيران جنبا إلى جنب دونما أن ينظر أحدهما للآخر؛ هى منبهرة بكل ما حولها كأنها زيارتها الأولى لهذا المكان، تنظر فى جميع واجهات المحلات التى تمر بها أياً كانت السلعة المعروضة، كانت كفراشة تطارد الأضواء دونما مأرب، أما الفراشة فتحترق، وأما هى فتشتعل شوقا لشراء كل ما ترى حتى لو كان لباسا للأطفال. أما هو فيكتفى بمراقبة المارة جيئةً وذهابا.
.....
فى حالهما هذا؛ كانت لا تتوقف عن الكلام؛ نبيع هذا ونشترى ذاك، أو نصبر قليلا حتى ندخر المزيد من المال فنشترى الآخر، أو نقترض من البنك و نشترى كليهما، لا تقلق؛ سوف يغطى نصيبنا من أرباح الشركة هذا العام الفوائد المضافة على القرض، المهم أن لا يتأخر الراتب كالشهر الماضى، كلام لا ينتهى عن العمل والمال.
.....
كان يكتفى بموافقتها دونما إكتراث، يومىء برأسه أو يصدر صوتا من أعماقه، لا أدرى أيُكتب بالألف أم بالميم، مفاد القول؛ كان الصوت يطمأنها بأنه يوافقها، ويطمأنه بأنها لن تلتفت إليه إذ تأكدت من وجوده بجوارها. هكذا هى زيجات زملاء العمل؛ هى تشاركه خططه المالية وأحلامه الوظيفية، وهو يشاركها راتبها.
.....
لم يصدق عينيه حين رآها فى آخر الممر تمشى بجوار شاب و يتجهان نحوه، للوهلة الأولى؛ توقف؛ وبتوتر؛ نظر يمنة ويسرة كأنما يبحث عن شيئ يختبئ خلفه من أنظارها، لكن بلا جدوى. تابع السير مهرولا ليلحق فتاته قبل أن تكتشف غيابه، وقد أدرك أنه لامفر من أن يلتقيا رغما عنهما، حتى لو كان اللقاء رد الطرف ودونما كلام.
.....
كانت ضربات قلبه تتسارع مع كل خطوة نحوها. بعد سنوات؛ بدت كأن لم تتغير؛ لا تزال بكامل جمالها وأناقتها، لا يزال الوردى لونها المفضل؛ قلما تخلو ملابسها منه، لم تتغير مشيتها أيضا؛ دائما مرفوعة الرأس، لا تتلفت حولها، ولا تنظر موضع قدميها، لكن يبدو أن ذوقها تغير فى الرجال؛ فرفيقها يرتدى عوينات طبية ورابطة عنق، كم كانا يتهامسان سخرية من زملائهما حين يرتدون رابطة العنق ويحكمون إغلاقها، كان يمازحها بأنه لن يرتدى رابطة عنق فى زفافهما؛ والآن ترافق رجلا يرتديها فى مركز تجارى.
.....
بعد أن كان يحاول أن يختبئ منها، صار يرجو أن تراه، فقط تلتقى عينيهما عله يرى فى عينيها ماض لا يدرى كيف فر من بين أصابعه كحبات الرمال، عله يعود، ولو للحظات، كما كان.
.....
لم تعطه مبتغاه، مرت وكأن لم تره، لا يدرى أحقا غفلته؟ أتجاهلته؟ أيمكن أن تكون نسيته؟! لا يدرى ماذا جرى، فقط أحس بإختناق، وبحركة لا إرادية مد يده ليفرك عنقه .. توقف عن المسير فجأة وأمتنعنت عيناه عن الغمض، لم يعد يرى أو يسمع أى شئ حوله، فلم تصل يده إلى جلد عنقه كما توقع، فقد حالت رابطة العنق المقفلة دون ذلك، نعم؛ كان يرتدى رابطة العنق.
.....
.....
عمرو عشماوى 13-05-2009

Saturday, February 21, 2009

الرسالة الأخيرة

أغلق باب غرفته وأطفأ أنوارها عدا أباجورة على مكتبه، فتح درج المكتب وأخرج منه كتاب سميك إستخرج من بين طياته مظروف ذكّرَه طابع البريد الملصق عليه برحلة عمله القصيرة إلى الرياض مذ عامين أو أكثر. فض الظرف وفرد طيات الرسالة وبدأ فى قراءتها.
.................
لم تكن هذه المرة الأولى التى يقرأ فيها الرسالة؛ كان يقرأها كلما ألحت عليه ذكراها، يقرأها كلما ألح عليه حقده وأراد أن يلعنها، يقرأها ليتذكر خيانتها .. ويسلاها.
.................
عزيزى ***
.................
يتمتم ساخرا؛ عزيزها!، يسكت لبرهة ثم يستأنف القراءة؛ أكتب إليك لإستشارتك فى أمر مصيرى، لم أتحلى بالشجاعة الكافية لمناقشته معك فى آخر مكالمة هاتفية كلما قرأ هذا السطر من الرسالة يبدل كلمة الشجاعة بالوقاحة دون إكتراث للموضوعية فى إسترجاع ماضيه، أرجو أن تنصحنى كيف أن أوصل مشاعرى إلى شخص أحبه يفكر بغضب؛ ما تظننى بربها، مستشار غرامها، يكمل قراءة الرسالة غاضبا؛ تعرفت عليه مؤخرا ويزداد إعجابى به يوما تلو الآخر حتى لم أعد احتمل الكتمان أكثر من ذلك يتذكر حانقا كيف أن لم يكن قد مر على سفره أكثر من شهر حين تلقى منها رسالة تشكو من غرامها لشخص آخر، نعم لم يكن صارحها بحبه .. لكن، توقع أن تفهم، أنتظر كى يتيقن، لكنها لم تطل إنتظاره، صدقنى لقد لجأت إلى هذه الفكرة (مراسلتك بالبريد) بعد يأسى من جرأتى فى البوح بمشاعرى وجها لوجه، فقد قررت أكثر من مرة أن أصارحه بحبى، آخرها فى مطعم يوم الجمعة فى آخر لقائاتنا، وكل مرة تبوء محاولاتى بالفشل وتنحشر الكلمات فى حلقى دون خروج. فماذا ترى؟
.................
إمضاء #####
.................
أنهى قراءة الرسالة وهو يتمم غاضبا بكلمات غير مفهومة تتخللها بعض كلمات من الرسالة ذاتها، متعجبا كيف أنها كتبت الرسالة كاملة دون أن تقحم فيها كلمات إنجليزية كعادتها، دائما ما كان يمازحها وينتقض ثقافتها المزدوجة، ويستنكر أن يكون نصف كلامها بلغة غير لغة أهل بلادها، لكن يا لوقاحاتها، حين تستجيب لنقضه فإنها تستخدم ذلك فى إعلان حبها لشخص آخر ووضع النهاية لعلاقتهما.
.................
قطع تفكيره صوت الهاتف، إلتقط السماعة ورد على صديقه، كان مازال شاردا فى الرسالة، أفاقه صوت صديقه "أنت معايا؟ هاتيجى ولا لأ"، رد متسائلا؛ "أجى فين؟" فأجاب صديقه "فرايدايز (Friday's) يا عم .. بقالك سنتين مروحتش هناك" ثم إستطرد ساخرا "من أيام .. #####".
.................
لم يدرى هل سقطت سماعة الهاتف من يده بإرادته أم لا، كل ما يذكر أنه وجد نفسه على مكتبه بأنفاس لاهثة يبحث بعصبية عن الرسالة التى انتهى منذ دقائق من قراءتها، وجدها، وأخذت عيناه تتفقد الرسالة القصيرة بسرعة وكأنما يبحث عن كلمة معينة، قرب نور الأباجورة من الرسالة، وأخذ يقرأ بتأنى؛ آخرها فى مطعم يوم الجمعة فى آخر لقائتنا، وكل مرة تبوء محاولاتى بالفشل وتنحشر الكلمات فى حلقى دون خروج، بعدها صاح؛ يا لغبائى!، يا تعسى! لقد كانت تعنينى أنا!، يا ربى! لقد كانت تترجم إسم المطعم من الإنجليزية للعربية لترضينى، لقد لحظت توترها ساعتها، يا لحماقتى يا لحماقتى.
.................
بعد أن هدأ، أعاد الرسالة إلى مكانها وهو يتذكر كيف كان فظا معها بعد تلقيه رسالتها الرقيقة. أغلق درج المكتب والندم يعتصر قلبه ولأول مرة يكون جد حزين بعد قراءة رسالتها، لكنه هذه المرة حزين لسبب مختلف؛ حزين لأنها كانت .. الرسالة الأخيرة.
.................
عمرو عشماوى 15-02-2009

Tuesday, January 6, 2009

إنتظار

فى محطة القطار ينتظر قطاره الذى تأخر عن موعده. ورغم وجود سيارات أجرة امام بوابة المحطة توصله إلى مدينته؛ إلا أنه آثر الإنتظار، ليس للكسل يدٌ فى هذا الإختيار؛ وإنما هكذا تعود أن ينتقل بين المحافظات قبل رحيله عن البلاد؛ بالقطار.
........
يؤجج شوقَه الإنتظار، راح يجتر بعض ذكرياته السيئة فى محاولة للسيطرة على لهف إنتظاره، لكن بمجرد أن تردد نفير القطار فى المحطة؛ هفا قلبه، وأشتعل حنينه إلى بلدته؛ إلى شوارعها، ودورها، ومحلاتها. قام بسرعة وعلق حقيبته على ظهره وأمسك بأخرى فى يده إستعدادا لأن يستقل قطاره؛ لكن .. إنه ليس قطاره المُنتَظَر! لقد كان النفير لقطار قادم على الرصيف المقابل.
........
رجع إلى مقعده محبطا. عاد مرة أخرى للإنتظار. مرة أخرى؛ أخذ يفكر فى مهجره، كيف أنه أجمل من بلاده، أكثر تقدما، وتحضرا، وكيف استطاع أن يحقق نجاحات مبهرة فى فترة قصيرة، وأنه كان .. مرة أخرى يقطع صوت نفير القطار تفكيره، ويداعب شغفه للرجوع إلى بيته؛ إلى حجرته الصغيرة، ومكتبته، ورائحة طعام أمه قبل الغداء. دون أن يقوم من مقعده أمسك بمقبض حقيبته واطمأن إلى وجود الحقيبة الأخرى بجواره، وبتحفز؛ إنتظر دخول قطاره إلى الرصيف.
........
مرة أخرى لم يكن قطاره. إعتدل فى جلسته، وترك مقبض حقيبته، وكأنما إعتاد إحباطات الإنتظار. لم يمضى وقت طويل حتى دوى صوت نفير قطار آخر. لم يحرك ساكنا، حتى لم يلتفت؛ ظل فى مكانه حتى دخل القطار الرصيف، هذه المرة؛ هو؛ قطاره. علت وجهه إبتسامة راضية وهو ينظر لقطاره كأنما يخبره، بتمنعٍ، عن إمتنانه لوصوله. ظل فى مكانه دقيقة كاملة، بعدها قام يلملم حقائبه بتكاسل مسطنع كمن إعتاد إرتياد القطارات يوميا، واتجه بهدؤٍ إلى عربته.
........
تحرك القطار مغادرا المحطة، وهو بداخله يفكر فى الوصول، فى ذات الوقت يفكر فى عبئ الوداع المُنتَظَر.
........
........
عمرو عشماوى 06-01-2009

Tuesday, August 26, 2008

للأوهام حجتها كذلك


أشارت عقارب الساعة فى يده إلى تمام الثانية بعد منتصف الليل حين أوقف سيارته فى إحدى شوارع القاهرة القديمة. نزل من السيارة؛ رجلٌ فى منتصف الثلاثينات يرتدى بنطلون جينز وسترة جلدية سوداء يحتمى بها من برد هذه الليلة الشتوية الكأيبة.
....................................
رغم إكتمال البدر فى السماء، كان بالكاد يرى موضع قدميه وهو يتقدم بحرص نحو أحد أكثر أضرحة القاهرة القديمة شهرة، مَثَلَ أمام الضريح، وبحركة آلية مدَ يده فى جيب سترته وأخرج شمعةً ثبتها فى أحد الثقوب فى نافذة الضريح، ثم أخرج علبة الثقاب من جيب السترة الآخر، التقط عودا وأشعله، لم يلبث عود الثقاب إلا أن إنطفئ قبل أن يصل إلى الشمعة، ساعتها تنبه أن يده ترتعش بشدة، ظن لوهلة أن إنطِفاء عود الثقاب ما هو إلا إشارة من الله بخطأ ما هو مُقدم عليه، فلم يكن يظن أبدا أنه من الممكن أن يأتى يوماًَ ويقف فيه متوسلا بشمعة عند ضريح رجلٍ غادر الحياة من مئات السنين، وهو الذى أشتهر برجاحة عقله ومنطقية تفكيره، بل كم كان يسخر ممن يقفون فى مثل موقفه ويتهمهم بفساد العقل وأنهم يسعون وراء أوهام ما أنزل الله بها من سلطان.
....................................
أوهام .. نعم هى أوهام لكن؛ قد حار العلم فى مرضه، لقد خرج منذ ساعات من عيادة أحد أشهر الأطباء بجواب لم يزد شيئا عن جواب أصغرهم؛ "مرض نادر لا يوجد له علاج". طول حياته التى أصبحت مهددة بمرضه الغريب وهو يتبع عقله؛ يجتهد فى عمله ساعيا للثراء، يتأنى فى إختيار زوجته ساعيا لحياة زوجية سعيدة، يؤجل الإنجاب ليضمن لأطفاله حياة كريمة، كل هذا ولم يحقق مبتغاه وكأنه سعى طوال حياته وراء وهمٍ تخفى فى صورة عقل، فلماذا لا يجرب الأوهام هذه المرة!
....................................
هدأ قليلا وكفت يداه عن الإرتعاش، أشعل عود ثقاب آخر وقرّبه بحرص حتى أشعل شمعته التى ضاهت كذبا البدر فى السماء حين أضاءت الضريح. تقهقر عدة خطوات مبتعدا عن الضريح دون أن يدير وجههه عنه وهو يراقب شمعته التى أخذ الهواء يعبث بضوئها؛ فيخفت للحظات ثم يعود ليضئ مجددا تماما كالإيمان فى قلبه، أدار وجهه عن الضريح تاركا شمعته تبث شكواه عند من لا جواب عنده، واتجه إلى سيارته يجول فى ذهنه بيت حمزة شحاته:
للعقل حجته ... وللأوهام حجتها كذلك
....................................
....................................
عمرو عشماوى 26-8-2008

Monday, March 24, 2008

محاكمة روحية

بدت قاعة المحكمة كعادتها، منصة القضاة فى صدر القاعة، مدعى النيابة على يمينها ومقاعد للحاضرين تستقبلها، إمتلئت القاعة بالحضور، بدا كل شئ كأنه طبيعى، غير أن قفص الأتهام لم يكن موجوداً كعادته، فقد حل مكان قضبانه مجموعة من المباخر شكلت نصف دائرة جالس فى منتصفها رجل جاوز الثمانين من العمر يفتح أمامه كتاب يدل لون وطول صفحاته على عتاقته.

أنطفأت الأنوار وأشعلت المباخر، أصبحت القاعة مضاءة بنور المباخر بالإضافة إلى بعض الشموع فى آخرها. بدأ العجوز فى منتصف دائرة المباخر يتمتم بكلمات غير مفهومة. ساد صمت مطبق على المكان، إحتبست الأنفاس، وفجأة ارتجت القاعة بصوت طرق إنخلعت معه القلوب، مضت لحظة صمت ثم تكرر صوت الطرق مرة أخرى تزامن معه ظهور رجل فى آخر القاعة بدا واضح من ملابسه وهيئته أنه مختلف عن باقى الحضور .. تركزت الأنظار عليه، تابعته عيون الحاضرين بشغف و إنبهار، فقد كان رجلا ليس من هذا الزمان!

عمامة حمراء تدلت من أطرافها خصلات شعر إصطبغت بلون نارى عَلَت رأس القادم الغريب. لحية كثة ضاهى لونها لون بعض خصيلات شعره التى خالطتها، وعبائة وافق لونها لون عمامته. مشى الرجل بخطوات ثابتة حتى أستقر فى منتصف دائرة المباخر الناقصة. هدأ دخان المباخر، وأخذ الرجل يتفقد من حوله فى ذهول وقد هجر الغمض أجفانهم لمدة ثلاث دقائق كاملة قبل أن يفيق القاضى من دهشته وينظر خلفه إلى الحاجب ويشير إليه بصرم حلّ عقد لسانه لينطق أولى الكلمات الواضحة فى هذه الجلسة، لتدوى أصدائها فى ظل صمت مهيب معلنة أسم المتهم: "الحجاج بن يوسف الثقفى"

القاضى: يا أمير .. مرت بالعراق نكبات جسام، وقد انقضى عهد من الظلم والإستبداد أُختُتِم بمحاكمة عادلة أعادت الحقوق وخففت بعض الكروب. وقد رأينا أنه إتماما لما بدأنا يتوجب علينا رد المظالم وتحقيق العدالة فى كل تاريخ العراق آملين أن يهدأ الحال ويدوم السلام. وليس بمقدورنا فى هذه المحاكمة تغيير الأقدار وإنما هى محاولة لإحقاق الحق ودفع المظالم. وعليه فإنك متهمٌ أنك من أصحاب النار. وقد عينت المحكمة محامى للدفاع عنك. هل حضر المحامى؟

المحامى: سيدى القاضى .. حاضر مع المتهم.

القاضى: مدعى النيابة .. من فضلك وضح حيثيات الإتهام.

مدعى النيابة: بسم الله العزيز الجبار، القائل فى كتابه – وقوله الحق- "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" صدق الله العظيم. لقد قاد الحجاج العراق فى زمن أُستُهين فيه بدماء الرعية، وأُستُبيحت كرامتهم، وهُدد أمنهم، وشُتت شملهم، وقُيدت حرياتهم. وقد تجاوز المتهم (الحجاج بن يوسف الثقفى، أمير العراقين) فى بطشه وتجبره المعهود، حتى أصبح مضرب للمثل، وأُحجية تتنافلها الأجيال على مر العصور. وإنا نوجه إلى المتهم (الحجاج بن يوسف الثقفى) إتهامنا له بأنه من أصحاب الجحيم.

القاضى: يا حجاج .. هل لديك تعليق على الإتهام؟

الحجاج: هل لا تزال الخلافة فى بنى أُمَيْة؟!

تعالت همهمة فى قاعة المحكمة من الحضور إثر سؤال الحجاج أصابته بالضجر. وقطع القاضى تلك الهمهمة مخاطبا المحامى بأن يبدأ مرافعته.

المحامى: بسم الله الرحمن الرحيم. سيدى القاضى .. بداية أسجل إعتراضى الشديد عن توجيه تهمة القتل لموكلى؛ فلا يُأخَذ ولى الأمر بدم ولا يُقضى عليه بقصاص، لأنه حين يقتل فهو يُنفِذ القانون. فإن تجاوز وشَطّ فالظلم هو أقصى ما يُأخَذ عليه. وإنما العدل و الظلم ككفتى ميزان تُُرَجِح ملابسات الأحداث والظروف أحدهما على الآخر، فلا يوجد خارج حدود الله عدلٌ مطلق أو ظلمٌ مطلق، وببعض التدقيق نجد فى زمن الحجاج ما يبرر قسوته. فقد تولى الحجاج زمام الأمر فى العراق فى زمن تعاظمت فيه الفتن حتى كادت أن تعصف بالأمة والخلافة، ففلول أتباع بن الزبير فى شبه الجزيرة العربية، والخوارج يعوثون فى الأرض فسادا فى ثورتهم المزعومة، يطمحون إلى كرسى الخلافة فى دمشق. الخوارج أيها السادة .. الخوارج فى ذاك الزمان أشد خطرا من الروم. خطر داهم يزيد مع الوقت، تصدى له الحجاج بعزمه وصرامته. نعم بعض القسوة، ولكن .. ولكن الغاية عظيمة. تسيير جيش عظيم من العراق لوقف زحف هذا الخطر الداهم والحفاظ على الخلافة ووحدة البلاد. إنها الغايات العظام التى تبرر بعض القسوة.

مدعى النيابة: قسوة مبررة! إنها المبالغة يا سيدى. طريقة قديمة ومعهودة، المبالغة فى تصوير خطر العدو لتبرير الأخطاء الجسام. ألم يكن الخوارج يدينون بالإسلام؟! إن ثورة الخوارج لم تتعدى خلاف سياسى طبيعى.

المحامى: خلاف سياسى! إن إنتماء الخوارج للإسلام هو ما عظّم الخطب وأجله، فإن أعظم الخطر ما يأتى من الداخل. فلو نظرنا إلى منهجهم فى ...

القاضى: ليس هذا المجال لمناقشة منهج الخوارج وخطرهم. فلنستمع إلى الشهود.

الحاجب: الشاهد الأول .. سعيد بن جبير

للمرة الثانية إشتعلت المباخر، وبدأ العجوز صاحب الكتاب العتيق فى التمتمة مرة أخرى. بينما أصاب الحجاج وجوم وذهول حين سمع اسم سعيد بن جبير، وكأنما تذكر حلم قديم رأى فيه أنه قامت الساعة وأنه قُتل من كل فرد قَتَلَه مرةً بنفس الطريقة التى قتله بها وأنه قُتل من ابن جبير سبعين مرة. بدا الحجاج واجما غارقا فى ظنونه حتى أنه لم يسمع صوت الطرقات التى علت فى القاعة، فقد بدأ يعتقد أن تلك هى أول قتلة من سبعين بن جبير.

تنبه الحجاج حين مثل بن جبير بين يدي القاضى. رجل أسود الوجه، أفطس الأنف، ذو لحية طويلة بيضاء يخالطها بعض السواد.

القاضى: بن جبير .. أيها الشيخ الفاضل .. إن الحجاج متهم بأنه من أصحاب الجحيم. فهل تقر هذا الإتهام؟

بن جبير: وكيف لى أن أقر أمرا بيد الله؟

مدعى النيابة: بالعلم يا بن جبير. ألم يبين الله حدوده؟ ألم يُفَصّلَ أوامره ونواهيه؟

بن جبير: بلى .. وإنما بيّن الله الحدود ليُحكَمَ بها فى أمور الحياة، أما فى أمور الآخرة فلا حكمَ عيره سبحانه وتعالى.

مدعى النيابة: إذا فلتقضى بشأنك. ألم يُشّردك الحجاج سنين؟ ألم يظفر بك ويقتلك وأنت العالم التابعى الجليل؟ أفلا تقتص لنفسك يا بن جبير من طاغية مبير؟!

ساد صمت عميق، وخالط الترقب قلوب وعقول الحضور، ولأول مرة بدا القلق واضحا على وجه الحجاج منتظرا إجابة بن جبير، وكأنما قد رضى مسبقا بحكمه.

بن جبير: إنما القصاص يوم القصاص، عند حكمٍ العدلُ من أسمائه. قصاصٌ عند خبير عليم.

إنصرف بن جبير تاركا من خلفه فى حيرة عظيمة. فلم يدر الحجاج أيفرح أم يحزن بهذا الجواب! ففى القصاص ذل له وفى الإعراض توبيخ.

المحامى: سيدى القاضى .. لقد رفض شاهد الإثبات أن يقر التهمة على موكلى وبذاك أطالب ببراءته.

مدعى النيابة: إن الشاهد وإن لم يقر التهمة فلقد أقر الذنب. وبذاك أطالب بإثبات التهمة على المتهم.

المحامى: سيدى القاضى .. إنا وإن أثبتنا التهمة على موكلى فبذاك نتهم رجلٌ وصلت الدولة الإسلامية فى عهده إلى أكبر إتساع لها بأنه من أصحاب النار. دولة من الأندلس غربا إلى حدود بلاد الصين شرقا تحت إمرة خليفة واحد. دولة تهابها الممالك فى شتى أنحاء الأرض بعد أن كانت مقسمة، ومنشغلة بالفتن. الحجاج أيها السادة أميرٌ منشغلٌ بعز بلاده يُسَيّر الجيوش ويقمع الفتن. إنى أطالب ببراءة الحجاج من التهمة الموجهة إليه، فإن لم تكن البراءة لأجله فمن أجل أمراء هذا الزمان! فلو كان الحجاج من أهل النار فما ظنك بمن ضاعت البلاد والعباد فى عهدهم؟! إن الحجاج ...

القاضى: مالنا ومال هذا الزمان! لقد خرجت عن الموضوع! الحُكم بعد المداولة.

تعالت الأصوات فى القاعة وإنشغلت كل مجموعة بمناقشة الأمر على إنفراد وكأنما ظنوا أنهم هم من سيصدر الحكم. لم يمض وقت طويل حتى قاطع صوت القاضى الحضور معلنا حكمه.

القاضى: حكمت المحكمة على المتهم الحجاج بن يوسف الثقفى بأنه من أصحاب النار. رُفعت الجلسة.

على غير المعتاد؛ بعد صدور الحكم خيم صمت مطبق على الجميع قطعه الحجاج قائلا من نظمه:
يا ربِ قد حَلَفَ الأعداءُ واجتهدوا ... أيمَانَهُم أني من ساكني النارِ
أيحلِفـونَ على عميـاءِ؟ ويــحُـهــم ... ما ظَنُهُم بعظيمِ العفوِ غفـارِ

غادر الحجاج دائرة المباخر واتجه نحو باب الخروج فى ظل ترقب وصمت مهيب. تبعه المحامى مهرولا.

المحامى: سيدى هذه البطاقة عليها إسمى، ربما إحتجتنى لاحقا.

أخذ الحجاج البطاقة فى صمت دون أن ينظر فيها. ثم ألتفت مكملا طريقه للخروج. لحظات ثم لاحظ المحامى بطاقته وهى تسقط ممزقة من يد الحجاج قبل أن يختفى عن الأنظار. إتجه المحامى إلى بطاقته يلملمها من على الأرض وهو يفكر فى الحجاج؛ ربما أنه ضاق ذرعا بكل من فى القاعة لذلك مزق البطاقة. نعم ربما. وربما مزقها لأن أهل الجنة لا يحتاجون لمحامى للدافع عنهم!


عمرو عشماوى (25-03-2008)